Thursday, January 17, 2019

صحف عربية تتساءل عن مصير "ملف التغيير" في العالم العربي

توقع كتاب عرب أن الحراك الذي تشهده بعض الدول العربيةسيكون امتداداً لما حدث في ثورات الربيع العربي عام 2011.
وأشار بعض المعلقين إلى أن الإجراءات التي تقوم بها الأنظمة في المنطقة لن تمنع حدوث ما وصفوه بالانفجار المتوقع عاجلا أم آجلا.
في المقابل، قال محللون في بعض الصحف إن هناك محاولات غربية لاستغلال الحراك الحاصل في بعض الدول العربية، على رأسها السودان، ليصب في "مصلحة الإمبريالية الاستعمارية الصهيو أمريكية".
توقع خليل العناني في "العربي الجديد" اللندنية "انفجاراً قادماً" في العالم العربي "بفعل تآكل الشرعية والفشل الاقتصادي والظلم الاجتماعي".
يقول: "يخطئ من يظنّ أن ملف التغيير في العالم العربي قد طواه النجاح المؤقت للثورات المضادّة، وما توتر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلدان، مثل مصر والأردن والمغرب والجزائر سوى دليل على أن ثمّة حاجة ماسّة لتغييراتٍ بنيويةٍ حقيقيةٍ لسحب فتيل الانفجار".
ويشير الكاتب أن ما يجري في السودان يكشف أن "شراء الوقت ليس في صالح الأنظمة السلطوية التي ترفض الاستماع لصوت شعبها في الوقت المناسب".
ويختتم خليل العناني بالقول: "تظل الرغبة في احتكار السلطة إلى الأبد، من دون شراكة أو محاسبة من المجتمع وقواه الحية، أحد العوامل القابعة خلف احتقان الأوضاع في البلدان العربية، وهو ما يجعلها عالقة بين استقرار هشّ، لا يضمن بقاء السلطة لدى محتكريها، أو تغييرٍ عنيفٍ يطيح الدولة والمجتمع معاً".
ويرى الشفيع سعيد في "القدس العربي" اللندنية أنه "مهما بلغت أنظمة الاستبداد من قوة البطش وإمكانية السيطرة على مفاتيح الحراك الشعبي، فإنها لن تمنع الانفجار، الناتج الوحيد والحتمي للانسداد. وهي أنظمة إذ ترتعب من شعوبها، وتتمزق داخليا بهذا الرعب، فإنها أعجز من أن تصمد أمام شعب كسر حاجز الخوف وأجمع على التغيير".
"بعبع مصري سوري يمني"
ويضيف الكاتب في مقاله "الشباب والتغيير في السودان" أن "أنظمة الفساد والاستبداد تسعى إلى أن يصبح الوطن حكرا فقط لشباب يصفق للحكومة".
يقول حيان جابر في "العربي الجديد" اللندنية إن "النظام العالمي عمل على تحويل الثورة السورية إلى بعبعٍ يخيف الشعوب الثائرة والمحتجة بشكل دائم ومستمر" بما يضع الشعوب أمام خيارين: "الخنوع والخضوع المطلق للسلطة القائمة، والقبول بجميع أشكال الفساد والمحسوبيات والنهب، أو تدمير الدولة والمجتمع وتحميل المسؤولية لجميع المحتجين والمتظاهرين الذين يرفضون الصمت على انتهاكات السلطة وزبانيتها".
ويرى الكاتب أن "البعبع السوري، وربما المصري واليمني والليبي، وحتى النموذج التونسي، بإيجابياته وسلبياته، قد تحول إلى أحد أهم المصادر التي تمد الشعوب والحركات الاحتجاجية بخبراتها ودروسها، وهو ما سوف يرفع من حظوظ الحركات الاحتجاجية المقبلة في تحقيق أهدافها، وبأقل الكلف البشرية والمادية الممكنة".
ويشير حيان جابر إلى أن "الشعب العربي إجمالا، بحركاته الاحتجاجية، يتقدّم بخطوةٍ، إن لم نقل بخطواتٍ عديدة، عن النخب والمثقفين العرب، بصورةٍ تعيد إلى الأذهان الحالة التي سادت في بدايات الثورة التونسية".
تشن سهير عبدالرحيم في "الانتباهة" السودانية هجوما لاذعا على من تصفهم ب "الأراجوزات" و"الانتهازيين الجدد" على خلفية الحديث عن إعلان بعض السياسيين الانسحاب من الوثيقة الوطنية.
وتقول إن هؤلاء الانتهازيين "يبحثون عن الشرف بين شباب الثورة، الذين لم يقف خلفهم حزب من الأحزاب المتهالكة أو العتيقة، شباب الثورة الذين خرجوا إلى الشوارع يهتفون للوطن دون عرقية أو إثنية أو انتماءات حزبية ضيقة، خرجوا من دون أصحاب العمائم السويسرية والشالات المزركشة وعربات الدفع الرباعي. خرجوا من دون أجندة حزبية أو مؤامرات تحاك بليل، خرجوا يسألون عن الخبز والوقود والحرية والتغيير".
تضيف: "المطلوب الآن من الثوار الأحرار ألا يحاولوا إقصاء هؤلاء الأراجوازت. دعوهم يركبون هم ومن على شاكلتهم في قطار الثورة، لا تستبعدوهم وتعاملوا معهم كجزء من الأمتعة، وحين يستقر بكم المسير، اسقطوهم في أقرب مكب للنفايات".
ترى ربى شاهين في "رأي اليوم" اللندنية أن "ما يحدث على الساحة العربية من مشاهد لثورات الشعوب كما في السودان، الذي يعاني من ويلات الانقسام والاقتتال منذ 2011 حيث الربيع العربي المزعوم، والذي أوجدته أمريكا، كانت نتائجه عليه باتفاق مع دول عربية ساهمت في انقسام هذا البلد الغني بثرواته، ليتم تقسيمه إلى دولة شمال ودولة جنوب".
ومن وجهة نظرها فإن "القادم من الأيام سيشهد ثورات أمريكية من نوع أخر".
تقول: "الشعب السوداني بهذا الحراك الشعبي يعبر عن غضب سياسات حكام لم يستطيعوا تأمين ما يسعى إليه أي فرد في حياة يستطيع بها تأمين المستوى اللائق لأفراد عائلته، والتي تذهب إلى الذين ليست من حقهم".
وتشير ربى شاهين إلى محاولات أمريكية تتمثل في "الاتجاه نحو انتهاز الأخطاء التي يرتكبها ممثلو الشعوب، والتي هي بصناعتهم وعروضهم، لتبدأ اللعبة الأمريكية الجديدة، ليكون المواطن العربي هو الشعلة التي ستمهد لهم ترسيخ خيوط لعبتهم، إن كان في صنع القرار أو استحلال الأرض، لتنفيذ مخططات أبعد مما نتوقع، والتي تصب حتما في مصلحة الإمبريالية الاستعمارية الصهيو أمريكية".
يقول فيصل العساف في "الحياة" اللندنية: "على رغم استقراره، دفع الخليج ممثلاً في محور السعودية - الإمارات فاتورة انتكاسات العرب الذين بذلوا الكثير من التضحيات في طاولة 'الرهان' على أوطانهم! مأساة التونسي الذي 'هرِم' في انتظار زوال الرئيس زين العابدين بن علي، ثم استفاق من حلم جنة الثورة ليجد نفسه تتلظى في جحيم القوى السياسية المتصارعة، حاضرة لا تغيب".
ويرى فؤاد البطاينة في "رأي اليوم" اللندنية أن "الحراك الأردني في الشارع أصبح ضرورة وطنية وقومية ودعم حقيقي للملك في وجه الضغوطات العربية والأجنبية".
يقول: "إن الحراك قاعدته تتوسع بلا قيادة نتيجة إصرار الشعب على التغيير الحقيقي، وإن افتقاد القيادة الموحدة ليست في صالح الحراك ولا في صالح الأمن المجتمعي ولا الدولة، ولذلك فإننا في سباق مع الزمن بين التغيير الإرادي وبين صنع قيادة جماعية موحدة للحراك من صلبه كي يتعمق ويصبح أكثر تعبيرا ورشدا ووعيا وخطابه سياسيا".

Tuesday, January 1, 2019

هل يولد الإنسان مجبولا على الخير أم الشر؟

هل لدينا استعداد فطري للتمييز بين الصواب والخطأ أم أن الحس الأخلاقي يتطور لدينا مع الوقت بالتعلم والممارسة؟
انشغل الفلاسفة على مدى قرون بمسألة ثنائية الخير والشر في الطبيعة البشرية، ففريق رأى أن الإنسان مجبول على الخير، في حين رأى الفريق الآخر أنه ميال إلى الشر.
وقد رأى أرسطو أن الفضائل الأخلاقية تكتسب بالتعلم، وأن الإنسان يولد بلا أخلاق، بينما رأى سيغموند فرويد أن الإنسان يولد كالصفحة البيضاء لا هو خيّر ولا شرير.
وتوحي رواية "سيد الذباب" للروائي البريطاني وليام غولدنغ بأن الأطفال معادون للمجتمع منذ نعومة أظافرهم، يتحينون اللحظة التي يتحررون فيها من القيود التي فرضها عليهم البالغون حتى يشكلون طائفة دينية لها طقوسها الخاصة، ثم يشرعون في قتل بعضهم بعضا بوحشية.
وقد دار بين توماس هوبز وجان جاك روسو أبرز السجالات حول هذه القضية، إذ وصف هوبز الإنسان بأنه "بشع" و"همجي"، لا يمكنه التعايش مع بني جنسه في سلام إلا في وجود مجتمع وقواعد لكبح جماح غرائزه وشهواته، ولكن روسو عارضه على الملأ، زاعما في المقابل أن الإنسان يظل لطيفا ونقيا طالما كان بمنأى عن فساد النظام الطبقي الذي يفرضه المجتمع وما ينطوي عليه من ظلم وجشع.
وقد أثبتت دراسات حديثة في علم النفس التطوري وجود شيء من "الخير الفطري" لدى البشر، أو بعبارة أدق، أن بعض الأطفال على الأٌقل يتطور لديهم الحس الأخلاقي الذي يمكنهم من التمييز بين الصواب والخطأ في سن أصغر مما كنا نعتقد.
وفي إحدى حلقات برنامج "العالم المثير للأطفال الرضع" على قناة "بي بي سي 2"، عُرضت إحدى الدراسات التي تبحث في مدى قدرة الأطفال على تمييز السلوك الحميد من الذميم، وفي أي عمر تتطور لديهم هذه القدرة.
إذ شاهد أطفال رُضع دون السنة من عمرهم عرضا لعرائس تمثل أشكالا هندسية بألوان مختلفة، وكانت هذه الأشكال تبدي سلوكيات أخلاقية حميدة أو ذميمة لا تخطئها عين. ففي إحدى المرات كانت الدائرة الحمراء تحاول الصعود إلى أعلى، بينما كان المربع الأزرق "الشرير" يدفعها لأسفل، وفي الوقت نفسه، كان المثلث الأصفر "الطيب" يحاول مساعدة الدائرة الحمراء بدفعها إلى أعلى.
وبعد انتهاء العرض، خُيّر الأطفال بين المربع الأزرق الشرير والمثلث الأصفر الطيب. وربما كما توقعت، اختار جميع الأطفال المثلث الأصفر، الذي كان متعاونا وأظهر سلوكا ينم عن رغبة في الإيثار.
وقد لوحظت هذه القدرة على التمييز بين السلوك الحميد والذميم لدى الأطفال الرضع بدءا من الشهر السابع من العمر.
وانتهت دراسة أخرى أجراها مركز التطور المعرفي لدى الأطفال الرضع التابع لجامعة ييل في عام 2010 إلى نفس النتائج، إذ كان الهدف من الدراسة إثبات أن الأطفال يختارون عرائس دون الأخرى بسبب سلوكياتها وليس بسبب متغيرات أخرى، مثل الميل الفطري للون أو شكل بعينه.
ولهذا، كرر الباحثون العرض مرة أخرى أمام الأطفال، ولكن في هذه المرة أدى كل شكل دورا نقيضا لذلك الذي أداه في العرض السابق، فاختار معظم الأطفال الشكل الذي كان أكثر تعاونا أيضا.
وأجرت جامعة كيوتو دراسة مشابهة في عام 2017، باستخدام نفس الأساليب التي استخدمتها الدراستان سالفتا الذكر، ويبدو أنها تؤيد نتائجهما أيضا.
إذ عُرض على مجموعة من الأطفال، كان أصغرهم في سن ستة أشهر، مقاطع فيديو تظهر ثلاث شخصيات تشبه شخصية "باكمان" الكرتونية.
وكان أحدهم "المتنمر" يدفع الآخر "الضحية" بعنف نحو الجدار، بينما يحاول "العميل الثالث" التدخل لمساعدة الضحية، فكان تارة يضع نفسه في المنتصف بين الضحية والمتنمر وتارة يحاول الفرار.
وبعد مشاهدة هذا المقطع، كان على الأطفال الاختيار بين الشخصيات الثلاث. واختار أغلبهم العميل الثالث، الذي كان يحاول مساعدة الضحية.
وتوالت الدراسات التي تثبت أن الأطفال الرضع يظهرون سلوكيات تنم عن الإيثار وحب الخير، مثل الدراسة التي أجرتها جامعة هارفارد وأطلقت عليها اسم "مراقبة الأم"، إذ لاحظ الباحثون أن الصغار كانوا يتصرفون بلطف ويتعاونون مع بعضهم البعض رغم أنهم لا يعلمون أنهم يخضعون للمراقبة، وهذا يدل على أن هذه السلوكيات الحميدة لا تكتسب بالتعلم لتفادي العقاب أو التوبيخ من الشخص المراقِب فحسب.
هذه الدراسات، رغم أنها لا تدحض تماما آراء فرويد وهوبز الأكثر تشاؤما عن الطبيعة البشرية، إلا إنها تبرهن على أن الأطفال الرضع ينزعون بالفطرة إلى تفضيل السلوكيات التي تنم عن الإيثار وحب الخير للآخرين.
كما أنها تؤكد للآباء والأمهات أنهم لو تركوا أطفالهم في جزيرة مهجورة، وإن لم تكن هذه فكرة سديدة، فلن يحاولوا سحق أضعفهم بالصخرة العملاقة، (على عكس ما اقترحه ويليام غولدنغ في روايته "سيد الذباب").